
كيف يؤثر غياب الأمن الغذائي على المائدة الرمضانية في لبنان؟
يأتي شهر رمضان هذا العام وسط انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق على لبنان، يرخي بظلاله بشكل مباشر على طقوس الطعام ونوعية المكوّنات في الموائد الرمضانية، ما يطرح السؤال حول المخاطر المحتملة لتراجع الغذاء على الأوضاع الصحّية للصائمين.
يظهر هذا التراجع ضمن سياق أكبر من المخاطر التي تفرض نفسها على المقيمين في لبنان، فوفق تقديرات “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي“، الذي تطلقه وحدة تحليل الأمن الغذائي التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة FAO؛ يعاني حوالي 2.26 مليون شخص في لبنان من انعدام الأمن الغذائي خلال الأشهر الأولى من عام 2023. يقسّم هؤلاء بين 1.46 مليون لبناني و800 ألف لاجئ سوري، أما نسبتهم من مجمل السكان فتصل إلى 42% وهو رقم خطير يستلزم تدخّلات طارئة ومباشرة.
ورغم أن أعداد اللبنانيين الذين يفتقدون الأمن الغذائي أكبر، بحسب الإحصاءات المذكورة، تبقى كثافة الأعداد أكثر تركيزاً بين اللاجئين السوريين قياساً إلى إجمالي عددهم في لبنان. وفق تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين؛ يعيش 90 بالمئة من السوريين في لبنان تحت خط الفقر المدقع (أي بمدخول يومي يبلغ أقل من 2.15 دولار للفرد)، ولا تزال هذه النسبة ثابتة منذ عام 2020 رغم زيادة الصعوبات التي يواجهها السوريون مؤخراً، وآخرها تراجع أعداد المستفيدين من المساعدات المالية بعد قرار إخراج 35 ألف عائلة من لوائح الدعم بسبب عدم وجود موارد مالية كافية لهم (صدر القرار في كانون الثاني 2023 بتوقيع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي).
يُذكر أن القيمة المادّية التي يحصل عليها اللاجئ لا تغطي سوى جزءاً صغيراً من الحاجات التي يفرضها شهر رمضان على العائلات، وهي، على كل حال، تتضاءل يوماً بعد آخر بسبب تقديمها بالليرة اللبنانية: حيث تبلغ 800 ألف ليرة شهرياً عن كل فرد (لا يمكن أن يتخطى عدد المستفيدين 5 أفراد من العائلة) أي أقل من 8 دولارات. هذه القيمة نفسها من الدعم كانت تساوي 12 دولار قبل أشهر قليلة، لكن تضاءلت بسبب التراجع المستمر في سعر الصرف.
عدم توفّر البدائل
يبقى البحث عن بدائل عند اللاجئين المحرومين من الدعم، مهمّة صعبة، خاصة مع القوانين اللبنانية التي تمنع السّوري من الحصول على رخصة عمل إلا وفق شروط معينة. في السابق، كانت ورش البناء ضمن القطاعات الأكثر جذباً لليد العاملة السورية، لكن شهد القطاع تراجعاً منذ عام 2019. يمكن إضافة قطاع النظافة والنفايات، وقطاع الزراعة، كمجالات يمكن العمل فيها بدون مواجهة صعوبات كثيرة.
من ناحية أخرى، لا تزال الدولة تضع عوائق أمام عمل السوريين في عدّة مهن أخرى رغم أنها متاحة، ربما بضغط من الشركات الكبرى لتأمين يد عاملة رخيصة. إحدى النماذج شركات التوصيل ديليفري مثل Toters المتمركزة بشكل عام في بيروت وضواحيها، بالاضافة إلى عدد من معامل الصناعات الغذائية مثل معامل الألبان والأجبان التي تتركز في البقاع الأوسط.
تبقى سلبيات هذه السوق الموازية هي في إمكانية استغلال أصحاب المصالح للعمّال والتفريط بحقوقهم بدون أن يكونوا قادرين على طلب الحماية، بسبب غياب النصوص القانونية التي تنظّم عملهم، وعدم امتلاكهم الإقامات القانونية التي يتطلّب الحصول عليها شروط شبه تعجيزية.
خلال التحضير لهذه المقالة، أجريت مقابلات مع عائلات سورية ولبنانية تعيش في مناطق مختلفة من لبنان، تحدّثَت أكثرية العائلات عن فقدان المهن التي كانت تؤمن دخلاً مستقراً قبل الانهيار الاقتصادي وجائحة كورونا، ما أدى إلى انقلاب في أنماط العيش التي تشمل انخفاض نوعية الغذاء وتراجع القدرة على الوصول إلى السكن اللائق والخدمات الأساسية، كالصحة والكهرباء والماء.
وفق صبحية مدّور، وهي أم لأربعة أبناء، تعيش في النبعة (بيروت)، مضى على مجيئها من سوريا عشر سنوات: “تغيّر كل شيء بالنسبة لنا بعد عام 2020، فقد توقف عمل زوجي في ورش البناء وتمديدات الكهرباء، بسبب تراجع السوق العقارية والانهيار الاقتصادي. أما أنا فقد أصبحت عاطلة عن العمل بعد إفلاس المتجر الذي كنت أديره بسبب التمديد المستمر لفترات الحجر الصحي الذي أصاب الاقتصاد بالشلل”.
حاولت مدوّر البحث عن عمل في نفس المجال دون نتيجة إلى أن قررت أخيراً التطوّع مع إحدى الجمعيات التي تقدّم لها “بدل نقل” صارت توفره عبر السير لفترات طويلة عوضاً عن استخدام التاكسي أو الباص.
مع تراجع المداخيل والمساعدات المادية، تعاني عائلة مدوّر للحصول على غذاء مناسب، أما التفكير في رمضان أو التحضير له أصبح رفاهية لا تمتلكها: “لا زلت غير قادرة على التفكير أبعد من الحاضر، أعيش كل يوم بيومه لتأمين الطعام. مثلاً، قبل أيام جمعت الخبّيزة من أحد البساتين القريبة، وقمت بتحضيرها مع اللبن لإطعام أبنائي. يوم أمس بحثت عند الخضرجي عن أصناف الخضار الذابلة والقديمة كالباذنجان، والبندورة، والكوسا وطبختها مع الأرزّ، لتفادي إطعامهم النواشف”.
في أغلب المقابلات، بدى السؤال عن رمضان وكأنه خارج السياق، بالرغم من أن الشهر الفضيل أصبح على الأبواب. فمثلاً، تقول إيمان عيروطة، وهي لاجئة سورية تعيش في بلدة المرج البقاعية: “أتذكر في رمضان قبل سنوات كنا نحدد لائحة بأصناف الطعام التي سنقوم بتحضيرها طوال الشهر، كما أننا كنا نشتري عدد من المكونات قبل أسبوع، لتفادي ارتفاع الأسعار كما يحصل كل عام. تحديداً كمية من اللحم والدجاج نقسّمها إلى وجبات ونبقيها في الثلاجة لتكفينا طوال الشهر. حيث أحضّر وجبتين منها أسبوعياً، على أن أعتمد باقي أيام الأسبوع على الحبوب والنشويات، بالاضافة إلى الفتّوش والشوربة اللذان لا يفارقان المائدة خلال رمضان”
أما اليوم، ليس لدى المرأة قدرة على التفكير أبعد من الحاضر، بينما تجد نفسها تضحّي بنوعية الطعام وتلغي أصنافاً لطالما كانت جزءاً من المائدة الرمضانية، مثل الشوربة أو الفتّوش، بسبب ارتفاع سعر مكوناتها. تقول عيروطة أنها اتخذت قرارات مؤخراً لم تفكر أنها ستقوم بها يوماً، مثل تفضيل إطعام الأبناء الأصغر سناً على الأكبر القادرين على تحمّل الجوع.
طبعاً، تعي المرأة في الوقت نفسه صعوبة الصيام بدون وجود غذاء جيّد، وتأمل أن تصل مساعدات غذائية خلال رمضان، كما حصل العام الماضي (غالباً بسبب الإنتخابات)، أو أن تظهر معجزة تنهي العذاب الذي تعيشه: “في الأحوال العادية، يمكن تناول النواشف خلال فترات النهار بدون وجبة أساسية، لكن عند الصوم يختلف الوضع، حيث يصبح من الضروري تحضير وجبة دسمة وغنية بالسعرات الحرارية والفيتامينات لتحمّل الجوع عند معاودة الصيام في اليوم التالي. خلال العام الماضي، استطعت بالصدفة المحافظة على إيقاع دائم من الطبخات التي تضم اللحوم بعد أن طلبت مني إحدى قريباتي أن أطبخ لعائلتها عدة مرات في الأسبوع لأنها ستسافر خارج لبنان، على أن تتكفل هي بدفع ثمن اللحم والدجاج. لكن هذا العام لا أعرف ما الذي سأفعله”.
اللبنانيون ليسوا أفضل حالاً
بما يخص اللبنانيين، تشير تقديرات الحكومة اللبنانية أن نسبة الفقر وصلت عام 2022 إلى 55% “في حال تم اعتماد مفهوم للفقر يشمل كل شخص لا يستطيع إشباع حاجاته الغذائية الأساسية”. لكن وفق معايير الإسكوا والبنك الدولي ترتفع هذه النسبة إلى 85%، حيث تشمل كل شخص يعجز عن المحافظة على مدّخرات مالية خارج مدخوله الدوري” (الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس في “الشرق الأوسط”).
يدفع موظفو القطاع العام في لبنان الثمن الأكبر للإنهيار (بصفتهم كتلة شبه متجانسة طبقياً) حيث تراجعت مداخيلهم بنسب هائلة منذ انهيار الليرة أمام الدولار، كما توقفت الخدمات التي كانت تقدَّم لهم في السابق، وعلى رأسها التأمين الصحي. ما أدى إلى انتقال حوالي 300 ألف موظف من خانة الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الفقيرة. عملياً، نتحدث هنا عن عدد يقارب المليون في حال افترضنا أن كل موظف مسؤول عن عائلة تتألف من ثلاث أفراد فقط. مع استثناء العائلات التي تمتلك امتياز وجود دخل بالدولار، ما يسمح لها بالاستفادة من فارق سعر الصرف، لكن هذا الامتياز تتراجع أهميته تدريجياً مع تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى الدولرة من جديد، ما يظهر في السّلع الغذائية، وخدمات الاتصالات والضرائب الجمركية.
وفق رانيا (رفضت ذكر إسمها الكامل)، وهي ربة منزل لعائلة من 8 أفراد تقطن في حي الجامعة – الضاحية الجنوبية: “لم يعد لرمضان طعم بعد الازمة الاقتصادية، لأن هذا الشهر يتمحور عادةً حول وجود مائدة متنوعة العناصر وشهية بالاضافة إلى اجتماع العائلة الحميمي مع كل وجبة. لكن بدون وجود نوعية طعام جيدة، تصبح كل جلسة على الإفطار غصّة في القلب. كنا في الماضي نطبخ خمس أو ست مرات الدجاج واللحم شهرياً، لكن هذا العام سيكون الإعتماد الأساسي على الحبوب والنشويات”.
يعمل زوج رانيا كعنصر في قوى الأمن الداخلي، لكنه، كما جميع الموظفين في القطاع العام، لا يتقاضى سوى مبالغ رمزية بينما يعمل الحد الأدنى من الساعات اسبوعياً. لذلك قرر ممارسة مهنة أخرى، حيث استأجر فان للركاب بدأ يعمل عليه في وقت الفراغ، لتأمين مبالغ إضافية للعائلة.
تضيف رانيا: “فرض الإنهيار الاقتصادي نفسه على مائدة الإفطار تدريجياً. في البداية، قمنا بتخفيض كمية اللحوم/الدجاج في كل طبخة، ثم لاحقاً، ألغيناها بشكل شبه كلي، لتبقى محصورة في المناسبات. مثلاً، أول الشهر أو عند تلقّي مبلغ مالي يسمح بالمخاطرة قليلاً بالمصروف. لكن بالرغم من هذا الإجراء بقينا غير قادرين على مجاراة ارتفاع أسعار السّلع الغذائية كالخضار/الحبوب بشكل عام، والمواد التي كان وجودها بديهياً في المطبخ سابقاً مثل الزيت النباتي وزيت الزيتون، والبصل والثوم، وأنواع البهارات المختلفة”.
هكذا قررت رانيا أنه من الضروري استهداف الثوابت الرمضانية، من خلال إلغاء طبق تقليدي مثل صحن الفتّوش الذي “يتطلب الحصول على مكوناته طازجة وبأسعار معقولة، معركة يومية في كل مرة أقصد بها السوق. لا أقول أنه يجب إلغاء الخضار من المائدة، بل علينا التأقلم مع المتوفّر، حيث يكفي وجود صنفين أو ثلاثة في السَّلَطة للحصول على حاجة الجسم من الالياف، وليس من الضروري أن نحضّر الحديقة بأكملها”.
هذه البراغماتية التي فرضها الانهيار على المرأة، يمكن رؤيتها كدافع لإبداع أنواع جديدة من المأكولات المستوحاة من بعضها البعض، التي تستبدل مكوّن غالي الثمن بنوع آخر أرخص، أو تضحّي بالشكل الخارجي من خلال استعمال ثمار ذابلة وقديمة. لكن يبقى الخوف هنا عند رانيا أو غيرها من ربّات المنازل، من احتمال انعكاس التقشف الغذائي على صحّة أبنائها، مع زيادة الأخبار التي يتم تناقلها في الأوساط الأكثر هشاشة عن حالات وفاة تحصل بسبب الجوع أو سوء التغذية.
طبعاً، هذا الخوف مبرّر، خاصة أن الظروف الصحية لم تعد مثالية في لبنان إن كان في أوساط اللاجئين السوريين أو اللبنانيين، مع وصول مستويات غياب الأمن الغذائي إلى نسب أكثر من خطيرة، وزيادة فاتورة الإستشفاء والغلاء في أسعار الأدوية. لذلك أصبحت المطالبة بتطبيق خطة طوارئ والتدخل بأسرع وقت لتخفيف التدهور ضمن الأوساط الأكثر هشاشة، ملحّة، قبل تفاقم الأوضاع أكثر ووصولنا إلى نتائج كارثية.
LEAVE A REPLY