
قصص سورية عن الإقامة اللبنانية: شروط تعجيزية، وابتزاز، ومخاوف من الاعتقال
وفق دراسة حديثة قدّرت ‘المفوضية السامية لشؤون اللاجئين’ نسبة السوريين الحاصلين على إقامات قانونية (من الفئة العمرية 15 عاماً وما فوق) بـ 16% من مجموع المقيمين على الأراضي اللبنانية. لم تتغير هذه النسبة المنخفضة كثيراً خلال السنوات الماضية، تحديداً منذ بداية عام 2015، تاريخ إصدار الأمن العام لمذكرة تفرض شروطاً تعجيزية على دخول السوريين عبر الحدود وعلى حصولهم على إقامات قانونية.
افتقد اللاجئون بسبب غياب الأوراق القانونية إلى أدنى الحقوق الإنسانية؛ فتعرضوا للإبتزاز والاستغلال الاقتصادي، وحُرموا من الخدمات الأساسية كالحق في العمل بصورة شرعية (نسبة السوريين الحاصلين على إجازات عمل تقدر بـ 0.5%) مع صعوبة الحصول على خدمات التعليم والطبابة. تقدر الأمم المتحدة نسبة الاطفال (بين 6 – 17 عاماً) الذين لم يلتحقوا بالمدارس نهائياً بـ 30% من إجمالي عدد الأطفال السوريين في لبنان.
يعود ذلك، بسبب رئيسي، إلى اشتراط وزارة التربية حصولهم على أوراق ثبوتية أو إقامات قانونية للتسجيل في المدرسة أو الخضوع لامتحاني الشهادة المتوسطة (البريفيه) أو امتحان الشهادة الثانوية (البكالوريا). أما من حيث الطبابة؛ تشير أرقام منصة التلقيح ضد فايروس كورونا إلى أن نسبة السوريين المسجلين على المنصة بلغ 3% من العدد الإجمالي، وهو ما يمكن تفسيره بشكل جزئي إلى الخوف من تسجيل معلوماتهم الشخصية على مواقع حكومية.
يحاول الأمن العام اللبناني ازاحة التهمة عن نفسه من خلال إصدار قرارات عديدة تفتح الباب لتسوية أوضاع المخالفين وإعفاء الذين عليهم غرامات متراكمة أو إقامات منتهية الصلاحية. لكن هذه القرارات لم تأت بأي مفعول حقيقي حتى اليوم طالما أن “نسبة قليلة من السوريين في لبنان يحاولون الاستحصال على اقامة قانونية” بحسب تأكيد المقدم طلال يوسف، رئيس قسم حقوق الإنسان في المديرية العام للأمن العام.
لا تكمن المشكلة في عدم رغبة اللاجئين بتسوية أوضاعهم القانونية بل في “الإطار القانوني الناظم الذي يفرض قيوداً تعجيزية على السوريين، بدون الأخذ في الاعتبار السياق الاقتصادي الذي يعيشون فيه أو واقع اللجوء بشكل عام” وفق المحامية ‘غيدة فرنجية’ من المفكّرة القانونية، التي تؤكد عدم قانونية شروط الأمن العام: “في شباط 2018 صدر قرار شورى الدولة الذي يؤكد أنه ليس من مهام المديرية العامة للأمن العام أن تعدل شروط دخول وإقامة السوريين في لبنان، طالما أن القانون حصر هذه الصلاحية في مجلس الوزراء دون سواه”.
أتى القرار يومها في إطار الدعوى التي قدمها أحد اللاجئين السوريين عام 2015 إلى جانب جمعيتي ‘المفكرة القانونية’ و ’روّاد الحقوق’ و”هدفت إلى تحميل المؤسسات السياسية والقضائية مسؤوليتها في سياسة اللجوء التي لا يمكن أن يحتكرها جهاز أمني، بل يجب أن يتوكل بها مجلس الوزراء الذي يعتبر السلطة المخوّلة بتعديل شروط دخول وإقامة الأجانب كونه يخضع لآليات المحاسبة السياسية والدستورية، أما دور الأمن العام فينحصر بتطبيق هذه الشروط دون الحق بتعديلها أو فرض رسوم جديدة عليها”.
خوف من الإعتقال وتمييز عنصري
خلال التحضير لهذا التحقيق، أجرينا مجموعة مقابلات مع سوريين يعيشون في لبنان، لمعرفة الصعوبات التي يواجهونها في محاولة تسوية أوضاعهم القانونية.
أغلبية الحالات التي صادفناها إما لم تحاول الحصول على إقامة أو أنها حاولت وفشلت، باستثناء القلائل الذين يمتلكون عقارات أو استثمارات في لبنان أو لديهم القدرة على الدفع مقابل عقود سكنية مكلفة، وهي جميعها عوامل تسهل الحصول على إقامة. يمكن إضافة فئات العمال الذين يحصلون على ‘إقامات عمل’ على أساس وجود كفيل لبناني، فهم بالتالي يعيشون حياتهم تحت حماية شخص لديه القدرة على التحكم في شرعية وجودهم في لبنان بما يتيحه ذلك من استغلال لظروفهم.
يقدم الأشخاص الذين يعيشون بدون إقامة قانونية، تبريرات مختلفة لتوقفهم عن المحاولة، من بينها عدم الرغبة بالذهاب إلى مراكز الامن العام خوفاً من الاعتقال أو من احتجاز أوراقهم الثبوتية (هناك حالات كثيرة لم تحصل على إقامة هذا العام بسبب انقطاع التيار الكهربائي في مراكز الأمن العام). يبدو أن هذا الخوف مبرر، فبحسب ‘مارييل حايك’ مديرة البرامج في ‘مركز وصول لحقوق الإنسان’: “هناك حالات كثيرة لأشخاص ذهبوا للأمن العام لتجديد إقاماتهم بعد صدور قرارات بإعفائهم من المبالغ المترتبة عليهم، لكن اتضح أن هذا الإعفاء لم يُطبّق، بل تم احتجاز أوراقهم الثبوتية لإجبارهم على العودة. لم يعاود جزء كبير من هؤلاء الذهاب مرة أخرى لخوفهم من التعرض للإعتقال أو لعدم قدرتهم على دفع الغرامات المترتبة عليهم”.
أما الحالات التي حاولت الحصول على إقامة وباءت محاولاتهم بالفشل، فتصطدم بصعوبة الشروط: “مثلا في حال حاولت الحصول على إقامة على أساس عقد السكن، تصطدم بحقيقة أن غالبية البيوت المخصصة للإيجار في بيروت غير مسجّلة في البلدية، وتلك المسجلة أجاراتها مرتفعة جداً ويجب دفع الإيجار لستة أشهر أو لمدة عام مقدّماً” وفق ما يقول ماهر (40 عاماً) وهو شاب سوري يعمل في منظمة غير حكومية.
“أما في حال موافقة صاحب منزل بدفع الرسوم البلدية، ستتفاجأ بوجود عقبات جديدة، فمثلاً في العام الماضي عثرت على شقة في عين الرمانة، كان شَرطي الوحيد أن يكون عقد الإيجار قانونياً ومصدقاً من البلدية كي أتمكن من تقديم طلب الإقامة. لكن حين ذهب صاحب المنزل لإنهاء الإجراءات في البلدية رفض الموظفون تصديق الطلب ‘لأن العقد مسجل بإسم سوري ونحن لا نرحب بالسوريين في منطقتنا’ في تمييز عنصري واضح، ليس له أي مسوغات قانونية. في النهاية اضطررت للتسجيل في جامعة خاصة كي أتمكن من الحصول على إقامة دراسية.” بحسب ما قال ماهر.
يذكر هنا أن أوضاع الطلاب الجامعيين ليس مثالياً أيضاً، فوضع طلاب الجامعات الخاصة أفضل من طلاب الجامعة اللبنانية الذين كانوا قادرين سابقاً على الحصول على إقامة دراسية بعد تسجيلهم، أما اليوم فترفض إدارة الجامعة اللبنانية تسجيلهم دون أن يكون لديهم إقامات سارية، وللحصول على إقامة دراسية يجب الحصول على وصل تسجيل من الجامعة. هذه المشكلة لم تكن موجودة سابقاً، لكنها ظهرت منذ أربع سنوات تقريباً وفق ناشطة سورية رفضت ذكر اسمها. يُبرز ذلك أيضاً أن التضييق يستهدف السوريين الفقراء فقط، الذين لا يستطيعون التسجيل في الجامعات الخاصة.
صعوبات العمل: تعقيدات قانونية وابتزاز
يعمل محمد (35 عاماً) في مجال السينما والتلفزيون منذ انتقاله إلى لبنان هرباً من الخدمة العسكرية وهو يحاول الحصول على إقامة قانونية منذ أربع سنوات بدون أي نتيجة: “منذ عام 2018 وأنا أعاني من صعوبات الحصول على إقامة، حاولت جميع الطرق الممكنة ولا زلت أحاول؛ في البداية قدمت طلباً عن طريق إفادة سكن ودفعت إيجار لسنة سلفاً حتى يوافق صاحب المنزل على تصديق العقد. لكن حين ذهبت إلى الأمن العام تفاجأت برفض طلبي والسبب هو أني دخلت إلى لبنان من خلال بطاقة نقابة الفنانين، وعليّ أن أحصل على الإقامة على أساس ‘إجازة عمل فنان’، أخبرتهم أني لا اعمل في لبنان لكن لم يصدقوا. في النهاية أخبرني الموظف أني في حال غادرت لبنان وعدت مجدداً يمكنني حينها أن أقدم طلب على أساس عقد سكن، فسافرت إلى السودان وعدت بعد فترة، لأجد أنهم رفضوا مجدداً الطلب بسبب وجود ختم النقابة على جواز السفر.
حينها اتفقت مع أحد الأشخاص اللبنانيين على تأسيس شركة إنتاج، حيث أدفع أنا جميع تكاليف تسجيلها ويتحمل هو فقط إنهاء المعاملات الإدارية. كان الهدف من تسجيل الشركة باسمه كي يكون قادراً على أن يكفلني من خلالها. دفعت له المبلغ بالإضافة لأتعابه، لكنه لم يفعل شيئاً من الذي طلبته، ثم بعد فترة توقف عن الإجابة على اتصالاتي. غضبت جداً وطبعاً لم أستطع تقديم شكوى، لاحقاً حاولت مواجهته، لكن تراجعت بعد أن تلقيت اتصالاً من محاميه يهددني فيه بأنه سيضع اسمي على لائحة المطلوبين للأمن العام. أعرف أنه لا يستطيع غالباً فعل ذلك، لكنني لا أمتلك رفاهية المخاطرة.
يتفق غالبية الذين أجرينا معهم مقابلات على صعوبة الحصول على إقامة عمل؛ أولا لقلّة عدد المؤسسات التي توافق على الدخول في الإجراءات التي يتطلبها توظيف أجنبي، وثانياً لأن على الموظفين التعامل مع نظام الكفالة بالإضافة إلى الشروط المعقدة للحصول على إجازة عمل، خاصة مع التغيير الدائم للائحة المهن التي يستطيع السوري ممارستها وفق وزارة العمل.
تعمل رانيا كموظفة إستقبال في فندق وهي منذ سنوات تحاول الحصول على إقامة قانونية في لبنان. في البداية، ساعدها الفندق بالحصول على إجازة عمل على أساس أنها عاملة تنظيف، لأن مهنتها (موظفة إستقبال) كانت مخصصة فقط لحاملي الجنسية اللبنانية. بدأت المشاكل حين دخل عناصر الأمن العام إلى الفندق وتأكدوا أنها تعمل في مهنة مختلفة عن تلك التي أخذت الإقامة على أساسها، ومنذ ذلك اليوم تعيش في لبنان بشكل غير قانوني وعاجزة عن الحصول على إقامة. ظلت تحاول على مدى أربع سنوات مع موظفي وزارة العمل، إلى أن تدخّل موظف رفيع المستوى وساعدها في الحصول على إجازة ‘عامل فني’ وهي مهنة يُسمح للسوريين بممارستها.
يذكر أن هناك حالات لأشخاص يعملون لحسابهم الخاص مع مؤسسات في لبنان والخارج، وبالتالي ليسوا موظفين مع أي منها. من بين هؤلاء سامي (30 عاماً) الذي يعمل كمترجم مع صحف محلية وعالمية يتلقى منهم أجره على النص. حين أراد الحصول على إقامة، لم يكن أمامه سوى طلبها على أساس عقد سكن، لكن فوجئ برفض الأمن العام طلبه بسبب عدم تصديق عناصر الاستقصاء أنه يعيش في لبنان منذ عام 2014 بدون عمل. طبعاً، لم يكن بإمكانه إخبارهم الحقيقة خوفاً من إجباره على استصدار إقامة عمل، وهو أمر مستحيل لأنه ليس موظفاً ثابتاً مع أي مؤسسة.
وهكذا، حتى لو كان لدى اللاجئ إرادة جدّية بأن تكون إقامته شرعية داخل البلاد واستوفى جميع الشروط القانونية، فلا يعني ذلك حصوله تلقائياً على الإقامة. فوفق ما تقول ‘غيدة فرنجية’: “لدى الامن العام سلطة استنسابية بقبول أو رفض طلبات الإقامة. وتؤخذ الكثير من هذه القرارات نتيجة الاستقصاءات حول الشخص الذي يحاول الحصول على إقامة، والتي يستند إليها الأمن العام لتقييم مصداقية طالب الاقامة. وغالباً ما يتم هذا التقييم بناء على أفكار مسبقة وتنميط للسلوك الاجتماعي دون أن يتمكن طالب الاقامة من مناقشتها. مثلاً في حال حصلت على إقامة على أساس أنك عامل زراعي، وتحاول اليوم استحصال إقامة طالب جامعي، غالباً ما يتم رفض طلبك بحجّة أنه كيف للعامل الزراعي أن يصبح طالباً؟”
المثير للاستغراب أن الأمن العام، بالرغم من كل ذلك، يدّعي بامتثاله لحقوق الإنسان وتعامله بحيادية مع كل المقيمين في لبنان: “تستند المقاربة المعتمدة للتعامل مع اللاجئين السوريين في لبنان على الاتفاقات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والقوانين اللبنانية التي تحفظ مصلحة اللاجئ والنازح، فالشخص الذي يتقدم للحصول على خدمة من مراكز الأمن العام هو صاحب حق” وفق المقدم طلال يوسف، رئيس قسم حقوق الإنسان في الأمن العام. (مداخلة ضمن ورشة العمل الثالثة لمشروع “اللاجئون شركاء” بعنوان تعزيز وصول اللاجئين السوريين إلى الوضع القانوني في لبنان 30 تشرين الثاني 2021).
* تم اخفاء أسماء جميع اللاجئين المشاركين في هذا التحقيق.
المراجع:
1. VASYR 2021 – Vulnerability Assessment of Syrian Refugees in Lebanon
2. عام 2017 كانت نسبة حاملي الإقامات 19% من مجموع المقيمين السوريين
3. ورشة العمل الأولى بعنوان تأثير الوضع القانوني المقيد على وصول اللاجئين إلى سبل العيش في لبنان
4. قضية اللاجئين السوريين في لبنان التوصيف والآثار
5. VASYR 2021 – Vulnerability Assessment of Syrian Refugees in Lebanon
6. أطفال اللاجئين السوريين ممنوعين من ارتياد المدارس
7. Vaccinating Refugees: Lessons from the Inclusive Lebanon Vaccine Roll-Out Experience
8. تسوية أوضاع السوريين المخالفين لغاية 30/09/2021
9. ورشة العمل الثالثة بعنوان تعزيز وصول اللاجئين السوريين إلى الوضع القانوني.
10. المديرية العامة للأمن العامة – تنظيم دخول وإقامة السوريين
11. شورى الدولة يبطل قرار الأمن العام بتعديل شروط دخول وإقامة السوريين في لبنان
12. لائحة المهن الواجب حصرها باللبنانيين فقط.
13. ورشة العمل الثالثة بعنوان تعزيز وصول اللاجئين السوريين إلى الوضع القانوني.
LEAVE A REPLY